الفتال النيسابوري
3
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
الجزء الأول [ مقدمة المحقق ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اضطلعت نفائس كنوز المعرفة الإسلامية منذ أمد بعيد بمهمة تمهيد السبل أمام مسيرة التكامل البشري ، وقد عبدت الحضارة الإسلامية طرق الخير والصلاح للناس قبل أن تخطو الحضارات الأخرى خطوة جادّة في هذا المضمار . ولا غرابة في ذلك ، بل هذا هو المأمول من دين حنيف له مثل هذه الشمولية ، ولا نبالغ لو قلنا بأن هذا التراث الخالد من المعارف الإسلامية يعدّ بحد ذاته واحدا من أوجه التمايز بين الأمة الإسلامية والدين الإسلامي ، وبين سائر الأمم والأديان . والمسلم الذي يلتزم بتعاليم دينه ويعمل بها ، يبلغ مرتبة لا يرى فوقها مرتبة من الرفعة والعظمة ؛ لأنه اتخذ من الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السّلام أسوة يسير على هديهم ويقتدي بسيرتهم ليتسنى له الوصول إلى غاية ما يبلغه الناس من الكمال . والتاريخ أيضا يعكس هذه الحقيقة . حيث إنه يعتبر المعارف الإسلامية بمثابة المفتاح القادر على أن يفتح مغاليق كل القلوب وإزاحة الصدأ المتراكم عليها ، وأن يعكس على القلوب المؤمنة ضياء هذا النور الإلهي المنبثق من مكة المكرمة . وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا لا زال كثير من المسلمين وسواهم من غير المسلمين يتخذون من هذه التعاليم الإلهية منطلقا لسلوكهم وعلى أساسها يبني كل واحد منهم شخصيته ، وبها يفرّق المرء بين ما ينفعه وما يضره ، وبها يقي نفسه من الهلكة ، ويرتقي بهذه التعاليم القيمة إلى معالي درجات الكمال . وقد استطاعت المكتبة الإسلامية أن تؤدي هذه المهمة بفضل ما تتّصف به من سعة وعمق ، وفي ضوء ما جادت به قرائح مؤلفيها من ترتيب وفقا للأبواب والفصول ، فقد تم